أبي منصور الماتريدي
45
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
واتخاذكم له إلها ، وقد سمى الله تعالى العذاب في غير موضع من القرآن : أمرا ؛ كقوله : أَتى أَمْرُ اللَّهِ [ النحل : 1 ] ، ونحوه . وقوله - عزّ وجل - : وَأَلْقَى الْأَلْواحَ . قال أكثر أهل التأويل « 1 » : ألقى الألواح ، أي : طرحها على الأرض غضبا منه ، فوقع منها كذا وكذا ، وبقي كذا ، لكن لا يجوز أن يفهم من قوله : وَأَلْقَى الْأَلْواحَ طرحها لا غير ؛ ألا ترى أنه قال : وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ [ النحل : 15 ] ليس يفهم منه الطرح والإلقاء ، ولكن « 2 » إنما فهم منه الوضع ، فعلى ذلك قوله : وَأَلْقَى الْأَلْواحَ أي : وضع « 3 » ؛ لأنه أخذ رأسه ولحيته ، أعني : رأس أخيه هارون ، ولا سبيل له إلى أن يأخذ رأسه ولحيته والألواح في يديه ، فوضعها على الأرض ، ثم أخذ رأسه ولحيته يجرّه إليه ، على ما ذكر في سورة طه ؛ حيث قال : يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي [ طه : 94 ] ، دل هذا أنه كان أخذ رأسه ولحيته جميعا لشدة غضبه لله على صنيع قومه . وفي الآية دلالة العمل بالاجتهاد ؛ لأنه قال : لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي [ طه : 94 ] ، ولا يحتمل أن يكون موسى يأخذ رأسه بالوحي لأمر من الله ، ثم يقول له هارون : لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي « 4 » ، ولا تفعل كذا . وفيه أيضا : أن هارون لما قال له : لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ [ طه : 94 ] إنما قال ذلك بالاجتهاد ؛ حيث قال : إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ [ طه : 94 ] ؛ لأنه لو كان يقول له بالوحي أو بالأمر ، لم يكن ليعتذر إليه بقوله فلا تشمت بي الأعداء . وقوله : وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ . فيه دلالة أنه إنما أخذ شعر رأسه ؛ لأنه لو كان أخذ رأسه ، لكان لا يحتاج إلى أن يجره إليه ؛ دل أنه كان أخذ بشعر رأسه . وكذلك قوله : لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي [ طه : 94 ] فيه دلالة لأصحابنا أن من « 5 »
--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 68 ) ( 15150 ) عن مجاهد وسعيد بن جبير بنحوه ، وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 235 ) وعزاه لأبي نعيم في الحلية عنهما ، وعزاه أيضا لأبي عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن ابن عباس . ( 2 ) في ب : لكن . ( 3 ) في أ : وضعه . ( 4 ) في ب : بكذا . ( 5 ) في أ : فيمن .